أحمد بن علي القلقشندي
207
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فقدّم تقوى اللَّه في سرّك ونجواك ، واقصر على القناعة رجواك ( 1 ) ، واحفظ هذه القلعة من طوارق اللَّيل والنّهار ، وأعدّ من قبلك للقتال في قرى محصّنة أو من وراء جدار ، واملأ سماءك حرسا شديدا ، وشهبا وكثّر رجالها لتباري بهم النّجوم في أمثالها من بروج السماء عديدا ، وخذ إلى طاعتنا الشريفة بقلوبهم وهم على ذلك ولكنّا نريد أن نزيدهم توكيدا ، وتألَّفهم على موالاتنا حتّى لا تجد أنت ولا هم إلى المزيد مزيدا ، وتفقّد الذخائر والآلات ، وتيقّظ لما تلجيء إليه الضائقة في أوسع الأوقات ، وحصّن مبانيها ، وحصّل فيها من الذخائر فوق ما يكفيها ، ومن السّلاح ما هو أمنع من أسوارها ، وأنفع في أوقات الحاجة مما تكنزه الخزائن من درهمها ودينارها : من مجانيق كالعقارب شائلة أذنابها ، دافعة في صدر الخطب إذا نابها ، ترمي بشرر كالقصر ، وتنزل من السماء بآيات النّصر ؛ ومن قسيّ : منها ما تدافع بالأرجل مرامي سهامه ، ومنها ما تدوّر بالأيدي كأس حمامه ، ومنها ما يسكت إذا أطلق حتّى لا يسمع كلام كلامه ، ومنها ما يترنّم إذا غنّى بالحمام صوت حمامه ؛ و [ من ] ( 2 ) ستائر يستر بها وجهها المصون ، ومنائر يشاهد منها أقرب من يكون أبعد ما يكون ، ورهجية تجلى بها في كلّ ليلة عروسها الممنّعة ، ودرّاجة تحاط بها من جهاتها السّتّ وحدودها الأربعة ؛ وأقرّ نوب الحمام الرّسائليّ فبها تسقط علينا وعليك الأخبار ، ويطوى المدى البعيد في أوّل ساعة من نهار ، وافتح الباب وأغلقه بشمس ، واحترز على ما اشتملت عليه من مال ونفس ؛ وبقية الوصايا أنت بها أمسّ ، واللَّه تعالى يزيل عنك اللَّبس ؛ والاعتماد . . .
--> ( 1 ) مراده رجاءك . وفي معاجم اللغة : رجاه رجوا ورجوّا ورجاء ورجاة ورجاءة ورجاوة ومرجاة . ولم نعثر على الرجوى كمصدر . ولعله استعمل هذه الصيغة لضرورة السجع . ( 2 ) الزيادة من الطبعة الأميرية .